روزبهان البقلي الشيرازي ( شطاح فارس )

62

مشرب الأرواح

الفصل التاسع والأربعون : في العذاب عذاب المريدين صحبة الأغيار لأنه في منزل الصفاء ، ورؤية أهل الجفاء تورث ضيق صدره وتوقعه إلى الفترة عن المعاملة وعذاب المحبين لبث الواردات لأنه يعيش بها في مقام المجاهدات ، وعذاب العارفين احتجابهم عن مشاهدة جلال الحق تعالى لأنه يطير بأجنحة المكاشفات في عالم المعاينات فإذا انقطع عن الطيران صار عاجزا حيرانا معذبا بأشد العذاب ، قال اللّه تعالى : فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذاباً لا أُعَذِّبُهُ أَحَداً مِنَ الْعالَمِينَ [ المائدة : 115 ] ، قال السري السقطي في بعض دعائه : إلهي مهما تعذبني بشيء فلا تعذبني بذل الحجاب ، وقال يحيى بن معاذ في وصف المريدين : دونه الأغيار حمىّ الروح معاشرة الأضداد تمنع الرزق ، وقال العارف رضي اللّه عنه : هو تعالى عذاب العارفين لامتناعه بنعت القدم عن مطالعة الحدث ووصوله إليه بنعت الإحاطة ، قال الشبلي في بعض مناجاته : إلهي إن قصدتك طردتني وإن هربت منك طلبتني لا لي معك راحة ولا إلى غيرك أنس المستغاث منك إليك وهذا إشارة إلى مقام سيد المرسلين صلى اللّه عليه وسلّم حيث استعاذ منه بقوله : « أعوذ بك منك » « 1 » . الفصل الخمسون : في النجاة إذا أراد اللّه بالعارف الصادق الحياة الطيبة شدّ نفسه بحبل الطمأنينة ودفع شيطانه عن صدره بشهب غيرته حتى لا يسترق سمع الحقائق عن أفلاك خواطره وأبرد الدنيا والخلق وما فيها على خاطره حتى لا يطيق أن ينظر إليها إلا بنظرة الاعتبار ، ثم قدس أسراره عن الالتفات إلى الحدثان وحفظه عن الفترة وأشده إلى أوضح مناهج المشاهدات وأنسه بقربه وأجلسه على بساط انبساطه ونشقه رائحة ورد الأنس في مقام القدس ولا يجري عليه أحكام الغيرة والامتحان ويبقيه في مشاهدة البقاء ووقاه عن الاحتراق في نيران الكبرياء والعظمة وأراه نفسه كما يريد منه أن يراه ولا يقطعه طرفة عين عن وصوله وأنس مناجاته ولذائذ مشاهداته وهذا غاية النجاة منه ، قال اللّه سبحانه وتعالى لكليمه : فَنَجَّيْناكَ مِنَ الْغَمِّ وَفَتَنَّاكَ فُتُوناً [ طه : 40 ] ، وقال في حق أيوب عليه السلام حين أخرجه من مكايد الامتحان وبلغه إلى مشاهدته وقربه وأنسه : فَكَشَفْنا ما بِهِ مِنْ ضُرٍّ وَآتَيْناهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنا [ الأنبياء : 84 ] ، وقال في حق يونس عليه السلام : فَاسْتَجَبْنا لَهُ وَنَجَّيْناهُ مِنَ الْغَمِّ [ الأنبياء : 88 ] ، وقال العارف : النجاة منه لا تكون إلا به وأصل النجاة الخروج من النكرة إلى المعرفة .

--> ( 1 ) رواه ابن خزيمة في صحيحه ، باب الدعاء في السجود حديث رقم ( 671 ) [ 1 / 335 ] والنسائي في السنن الكبرى ، ماي قول في آخر وتره ، حديث رقم ( 1444 ) [ 1 / 452 ] ورواه غيرهما .